عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
384
اللباب في علوم الكتاب
وهذا فيه نظر ؛ لما مرّ أن المراد به التقرير ، فهو كقوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [ الزمر : 36 ] أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] . والاستفهام بمعنى التقرير كثير جدّا لا سيما إذا دخل على نفي كما مثلته لك . وفي قوله تعالى : « أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ » التفاتان . أحدهما : خروج من خطاب جماعة ، وهو « خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ » . والثاني : خروج من ضمير المتكلّم المعظم نفسه إلى الغيبة بالاسم الظاهر ، فلم يقل : ألم تعلموا أننا ، وذلك لما لا يخفى من التعظيم والتّفخيم . و « أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » « أن » وما في حيّزها ، إما سادة مسدّ مفعولين كما هو مذهب الجمهور ، أو واحد ، والثاني محذوف كما هو مذهب الأخفش . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 107 ] أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 ) قال ابن الخطيب : لما حكم بجواز النسخ عقّبه ببيان أن ملك السماوات والأرض له لا لغيره ، وهذا هو التنبيه على أنه - سبحانه وتعالى - إنما حسن [ منه الأمر والنهي لكونه مالكا للخلق ، وهذا هو مذهب أصحابنا ، وأنه ] « 1 » إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكا للخلق مستوليا عليهم لا لثواب يحصل ، أو لعقاب يندفع . قال القفال رحمه اللّه تعالى : ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر القبلة ، فإنه - تعالى - أخبرهم بأنه مالك السماوات والأرض ، وأن الأمكنة والجهات كلها له ، وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض ، إلّا من حيث يجعلها هو تعالى له ، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستدلال القبلة إنما هو محض التخصيص بالتشريف ، فلا مانع يمنع من تغييره من جهة إلى جهة . قوله : « أَ لَمْ تَعْلَمْ » جزم ب « لم » ، وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل ، وقوله : « أَ لَمْ تَعْلَمْ » خطاب للنبيّ - صلّى اللّه عليه وسلم - والمراد أمته ، لقوله : « وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ » . وفي قوله : « مُلْكُ » وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ ، وخبره مقدم عليه ، والجملة في محلّ رفع خبر ل « أن » . والثاني : أنه مرفوع بالفاعلية ، رفعه الجار قبله عند الأخفش ، لا يقال : إن الجار هنا قد اعتمد لوقوعه خبرا ل « أن » ، فيرفع الفاعل عند الجميع ؛ لأن الفائدة لم تتم به ، فلا يجعل خبرا .
--> ( 1 ) سقط في أ .